• محمد البيشي | صحيفة الاقتصادية - العدد 5426

أكدوا أن تحسن العملة الأمريكية خفف من ضغوط التضخم.. اقتصاديون: مؤشرات عودة "الدولار القوي"


أكد لـ"الاقتصادية" اقتصاديون سعوديون أن التحسن الذي طرأ على الدولار في أسواق النقد العالمية في الأيام الأخيرة سينعكس بصورة ملموسة على الاقتصاد السعودي ولكن في فترة لاحقة، مشيرين إلى أنه سيخفف من مستوى الضغوط التضخمية، كما أنه سيعمل على التراجع بأسعار السلع المستوردة، وإنعاش القوة الشرائية للريال.

واخترق الدولار على مدى عشرة أيام ماضية مستويات مقاومة غير متوقعة مقابل العملات كافة، محققا تحسنا بلغ أمام بعض العملات كاليورو والجنيه الاسترليني مستوى عشر نقاط أساس، بعد أن كان قد فقد 8.3 في المائة من قيمته أمام اليورو منذ سجل أعلى نقطة له هذا العام في 23 كانون الثاني (يناير) الماضي ونحو 45 في المائة من قيمته منذ طرح العملة الأوروبية (اليورو) وهو ما فسره مراقبون بالتصحيح الإجباري للعملة الأمريكية. ووفق آراء اقتصاديين فإن تعافي الدولار تلقى دعما إضافيا من النفط والذهب وسلع أساسية أخرى، إذ ساعد الهبوط القوي لأسعار الذهب والنفط "المقومة بالدولار أساسا" في الأيام الماضية على منح الدولار مزيدا من "القوة".

وقال تقرير لبنك الكويت الوطني حول "أسواق النقد الأسبوعي" نشر السبت الماضي إن الدولار الأمريكي واصل مرحلة التحسن التي بدأها في السابع من الشهر الجاري واخترق جميع مستويات المقاومة مقابل كافة العملات.. وعزا التقرير ارتفاع الدولار إلى عدة عوامل كإصدار بنك إنجلترا تقييما متشائما حول توقعات النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة وظهور مؤشرات اقتصادية ضعيفة ألمحت إلى أن اليابان قد تتجه إلى مرحلة من الركود الاقتصادي.

ومن العوامل أيضا انكماش اقتصاد منطقة اليورو خلال الربع الثاني من هذا العام للمرة الأولى منذ بدء استخدام العملة في 1999 وفتح بنك الاحتياطي الأسترالي الطريق أمام إجراء عدة تخفيضات على أسعار الفائدة على خلفية استمرار تراجع النشاط الاقتصادي .. وأضاف التقرير أن الجنيه الاسترليني كان العملة التي تكبدت أكبر الخسائر حيث تراجع بمقدار 15 نقطة أساس على مدى الأسبوعين الماضيين من 2.00 ووصل إلى 1.8510 يوم الجمعة الماضي.. وأوضح بنك الكويت الوطني أن اليورو واصل تراجعه الحاد مقابل العملة الأمريكية، ووصل سعره إلى 1.4677 يوم الجمعة الماضي وخسر بذلك تسع نقاط أساسية خلال عشرة أيام في حين تعرض الدولار الأسترالي لموجة بيع كبيرة واكبت تراجع أسعار الذهب ليصل سعر العملة الأسترالية إلى 0.8589 ليخسر بذلك عشر نقاط أساس. تداعيات هبوط الدولار وفق محللين فإن الهبوط المثير للدولار أمام العملات الرئيسية خلال الأعوام القليلة الماضية قاد بالفعل إلى إلحاق خسائر كبيرة بإيرادات دول الخليج بسبب صادراتها النفطية المقومة بالدولار الأمريكي.. ويرى هؤلاء المحللون أن ارتباط أسعار النفط بالدولار ألقى بظلاله السلبية حاليا على إيرادات تلك الدول من الصادرات النفطية، فضلا عن انعكاساته على ارتفاع تكاليف المعيشة في دول المنطقة بتأثير التضخم.. وقدر المحللون الخسائر الدفترية لدول الخليج الأعضاء في منظمة "أوبك"، وهي السعودية والإمارات والكويت وقطر بـ 90 مليار دولار، جراء هبوط الدولار أمام العملات الرئيسية العام الماضي. كيف تحسن الدولار؟ يقول لـ "الاقتصادية" سهيل الدراج، كاتب اقتصادي ومحلل مالي في الأسواق الدولية: لقد حقق الدولار أفضل مكاسب متتالية منذ 38 سنة، وهو تصحيح طبيعي بعد سبع سنوات متواصلة من التراجع الذي انطلق في 2001، إلا أن الشيء في الأمر هو أنه ليس نتاجا لتحسن في الاقتصاد الأمريكي.. وأضاف الدراج "يرى المراقبون في الأسواق الدولية أن البيانات الأخيرة تؤكد دخول الاقتصاد الأمريكي مرحلة الركود، إلا أن التأثيرات الآتيه من الاقتصاد الأوروبي وبعض الاقتصادات الآسيوية هي التي أثرت في الدولار، إذ إن تراجع اليورو بفعل التضخم حسن من مستوى العملة المنافسة الأخرى وهي الدولار".. وتوقع المحلل المالي ألا تطول فترة تعافي الدولار، مشيرا إلى أنها فترة تصحيحية قد تستمر ثلاثة أشهر على أبعد تقدير، خصوصا أن الاقتصاد الأمريكي يعيش مرحلة حرجة، وليس لديه أي محطات جديدة باستثناء الانتخابات الأمريكية.

وفي هذه النقطة اختلف أحمد الحديد، محلل عملات، مع الدراج في فترة تحسن الدولار، مشيرا إلى أن المؤشرات الرئيسية تؤكد أن الاقتصاد الأمريكي في مرحلة ركود وباتجاه نحو الاستقرار ومن ثم النمو، فيما الاقتصاديات الأخرى ومنها الأوروبية في مرحلة ركود نحو الكساد .. وقال الحديد "الدولار في طريقة إلى تعافي أكبر بسبب تراجع اقتصاديات أخرى منها انكماش الاقتصاد الألماني بنحو 0.5 في المائة والياباني بنحو 0.3 في المائة والاقتصاد الأوروبي بنحو 0.2 في المائة". تأثيرات تعافي الدولار هنا يقول اقتصادي سعودي ـ فضل عدم ذكر اسمه ـ " بالتأكيد فإن تراجع أسعار السلع العالمية وتحسن الاقتصاد الأمريكي ولو نسبيا سيسهمان بحسب اقتصاديين في إحداث استقرار للاقتصاديات الوطنية من حول العالم خصوصا لتلك المرتبطة اقتصادياتها بالعملة الأمريكية ، كما سيمنحها فرصة لضبط التضخم سواء في أوروبا أو آسيا أو منطقة الشرق الأوسط وخصوصا الدول المنتجة للنفط".. وأضاف" انخفض إلى مستويات قياسية مقابل عدة عملات رئيسة في العام الماضي، إذ هبط نحو 12في المائة، مقابل اليورو و2.8 في المائة مقابل الجنيه الاسترليني، وخفض هذا الهبوط قيمة عملات الخليج المرتبطة بالدولار، مما أدى إلى ارتفاع قيمة الواردات واندفاع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة".

وفيما يتعلق بتأثير تحسن العملة الأمريكية على السلع والاقتصاد عالميا ومحليا، يعود سهيل الدراج ليشير إلى أن ذلك سيحدث بصورة طبيعية إلا أنه يحتاج بعض الوقت .. وزاد" يجب منح الدولار فرصة شهرين على الأقل للشعور بتحسن الأسعار تبعا لوصول البضائع الجديدة إلى الأسواق، ويفترض أن يساعد ذلك على تراجع التضخم أو الحد منه، وإلا فإن هناك خللا ما".

وبين الدراج أنه بتحسن الدولار تتراجع أسعار السلع المقومة بالعملة الأمريكية كالنفط والذهب والسلع الأساسية الأخرى ومنها الحديد والقمح والأرز، كما ترتفع القوة الشرائية للعملات المرتبطة بالدولار، وبالتالي فإن رجل الشارع العادي في السعودية سيلمس تحسنا في قيمة الريال.. وعلى صعيد الاقتصاد الوطني كشف الدراج أن هناك تنوعا في المكاسب التي يمكن أن يحققها تحسن الدولار واستمرار ذلك، منها انخفاض قيمة الواردات، إلا أنه أيضا سيقلل من قيمة العائدات النفطية، إلى جانب أنه سيؤثر سلبا في الصادرات السعودية غير النفطية ويقلل من تنافسيتها.

من ناحيته، يرى أحمد الحديد أن تعافي الدولار خفض من ارتفاع الطلب على السلع الأساسية كسلع تحوط واستثمار، بعد أن باتت العملة الأمريكية أكثر جاذبية، ما خفض بدوره من أسعار تلك السلع كالمعادن والحبوب.. وتابع" ارتفعت الرغبة في الأيام القليلة الماضية عند المتعاملين مع أسواق النقد في الحصول على الدولار والاحتفاظ به، كما أنه خفف من الضغوط المضاربية التي كانت تطول العملات المرتبطة بالدولار ومنها العملات الخليجية، والدعوات التي تنادي بإعادة تقييم الريال".. وقال الحديد إن انعكاس تحسن الدولار على الاقتصاد السعودي يحتاج إلى فترة شهرين على الأقل، وسنلمسه في تراجع أسعار السيارات والمواد الغذائية والأجهزة الكهربائية وكل تلك السلع القادمة من أمريكا، مضيفا أن ذلك سينعكس أيضا على قيمة الصادرات التي يرى أنها لا تزال رخيصة رغم تعافي الدولار.