لقاءات تلفزيونية مميزة
  • سهيل الدراج | صحيفة الجزيرة - العدد 13205

المرجفون والمطبلون.. وقاموس المفردات للسوق السعودي ..!!


في السنوات الخمس الماضية تحول الكثير من السعوديين إلى الاكتتاب في الشركات الخاصة، سواء التي تم خصخصتها أو التي تم تأسيسها من جديد. ومع هذه الطفرة الرأسمالية الكبيرة، وهذا الفكر الاقتصادي الجديد، دخل الأفراد إلى أسواق المال من حيث لا يشعرون. لكن الأمر الذي ساهم في تثبيت أقدامهم في هذه السوق هو الأرباح الطائلة التي تحققت من الاكتتابات الأولية، وهذا بدوره دفع بالكثيرين إلى التعمق والتوغل في السوق باحثين عن طرق أكثر للربح وعدم الاكتفاء بالاكتتابات الأولية. من أكثر هذه الطرق شيوعاً هي المضاربة.. والمضاربة هي محاولة الاستفادة من الفروق السعرية الآنية، ولما كان السوق السعودي كغيره من الأسواق الناشئة في حالة صعود مستمر، وجد الأفراد أن المضاربة هي وسيلة أخرى ناجحة لتحقيق الربح، قلا يوجد خاسرون في المعادلة، فالكل رابح..!! وكانت الأسواق تندفع إلى الأعلى بفعل اندفاع الأموال إلى أسواق الأسهم. ومما ساعد على هذا الاندفاع تحليلات المحللين، وتوصيات الموصين، ومقالات الكتاب الصحفيين. لكن هذا الوضع لم يستمر كثيراً وأفاق الجميع من حلم وردي كان يداعب مستويات 25.000 و 30.000 وأحياناً 40.000 نقطة. الصدمة كانت شديدة بعد الانهيار، وأفاق الجميع على الواقع المؤلم. وخلال هذه الفترة تشكل قاموس المفردات اللغوية للسوق السعودي الذي أصبح أحد مميزاته وصفاته التي يتصف بها. وهذا ليس بالأمر الغريب فأكبر أسواق العالم من ناحية الحجم والتقدم السوق الأمريكي إذ لديه قاموسه الخاص بالمفردات، ففي السوق الأمريكي نسمع المفردات التالية: (Bear Markets - Bull Markets - Depression - Recession - Slowdown - Crash - Slide - Rise - Institution Buying - Interest Rate - Stimulus Package - Monetary Policy - Fiscal Policy).. وغيرها من المفردات التي تشكل قاموسهم اللغوي. أما إذا انتقلنا إلى قاموس المفردات اللغوي الخاص بالسوق السعودي، فسنجد فيه التالي: (مطبلون - مرجفون - توصيات - منتديات - هوامير - هيئة - نزول غير مبرر - دعم - مقاومة - تجميع - تصريف - لا يأخذون أسهمكم - تعليقة - متعلق - خشاش - أسهم محترمة - قنوات فضائية - نسّب - نسبة فوق - نسبة تحت.. الخ ). وأصبح هذا القاموس متداولاً بشكل كبير حتى على مستوى الصحافة المحلية والكثير من القنوات الفضائية التي توجه برامجها وتغطياتها للمشاهد السعودي. هذا القاموس -مع الأسف الشديد- أصبح تراثاً تتوارثه الأجيال، فكل من يدخل السوق السعودي أو يجلس في المجالس يسمع الكثر من تلك المفردات. ونأتي في يوم من الأيام ونقول إن سوقنا أصبح متقدماً. هذه المصطلحات أصبحت تحكم سلوكنا وتحليلاتنا اليومية. فعندما تنهار الأسواق، يكون تحليلنا لهذا الانهيار هو أن الهوامير ضغطوا على السوق ليجمعوا عند الدعم القادم، بعد أن صرفوا عند المقاومة القوية، وساعدهم في ذلك المطبلون في المنتديات. أما إذا ارتفع السوق وجدنا تحليلاً آخر مغاير، وهو أن الأسواق ارتفعت بعد وصول السوق إلى مستويات دعم قوية وامتناع المرجفين عن الإرجاف في المنتديات، وقاد الارتفاع الأسهم الخشاشية التي حاول المرجفون أخذها منا بأسعار بخيسة.. وإذا اقتنع المتداولون إن الانخفاض في الأسواق يعود لتأثر الأسواق المحلية بالانهيارات العالمية وهبوط أسعار النفط وهبوط كل أسواق العالم بنسب كبيرة.. يكون التحليل مبنى على أن الهوامير استغلوا الظروف العالمية للضغط على الأسهم ليأخذوا منا أسهمنا، ونقول لا للبيع حتى لو تصبح بريال واحد..!! وعندما تصبح بريال واحد يأتيك من يقول لا بارك الله في المحللين الذين قالوا إن السوق إلى 30.000 نقطة..!! كنت استمع إلى مقابلة مع أحد الضيوف على أحد القنوات الفضائية، استهل الضيف حديثه بالمرور على مفردات القاموس السحري لسوق المال السعودي، فبدأ بذكر الهوامير والتجميع والتصريف ونقاط الدعم والخشاش والهيئة والمنتديات والنسب، وغير ذلك من المفردات. المتلقي لهذه الرسالة الإعلامية يصبح مردداً ومكرراً لهذه الكلمات اعتقاداً منه أنها هي لغة الأسواق المتعارف عليها عالمياً. الثقافة الاقتصادية مهمة جداً لأي سوق يريد أن يتقدم، وقاموس المفردات هو واحد من مكونات هذه الثقافة، وربط المتغيرات والأسواق والأحداث بطريقة منطقية هو أمر غاية في الأهمية ولا يمكن تبسيطه وتسطيحه بهذا الشكل.. كما أن فهم آلية عمل الأسواق ومحركاتها وبعدها عن العاطفة هو من أساسيات الدخول إلى أسواق المال. أما الاعتقاد بأن الأسواق تتحرك بفعل الهوامير وغيرهم والتركيز على حركتهم وربطها بالمتغيرات العالمية، فهذا يعتبر فكراً سطحياً يحتاج إلى النضج. القنوات الفضائية والصحف المقروءة والصحافة الإلكترونية لابد أن تحاول إعادة ترتيب قاموس المفردات الخاص بأسواق المال حتى لا تصبح الفجوة بيننا وبين الأسواق المتقدمة كبيرة، وتصبح فجوة ثقافية إضافة إلى كونها فجوة تنظيمية وزمانية.. ولا بد أن يكون شعارنا (نحو ثقافة اقتصادية ومالية صحيحة).


رابط المقال على صحيفة الجزيرة