• سهيل الدراج | صحيفة الجزيرة - العدد 13170

الاقتصاد الإسلامي بين الرأسمالية والاشتراكية.. بين كينز وآدم سميث..!!


يُقال في الثقافة الغربية Every Cloud has a silver lining وتعنى بالعربية كل سحابة بداخلها بطانة من فضة، وفي ذلك كناية عن أن المصائب والكوارث قد يصاحبها أمور أخرى إيجابية، وقد تم ذكر الفضة في الثقافة الغربية بدلا عن الذهب لأنها تستخدم على نطاق واسع في الزينة والاستخدام.. كلنا يتذكر أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من أحداث أثرت على وجه العالم حتى يومنا هذا، فهذه الأحداث وعلى الرغم من سوئها إلا أنها ساهمت بطريقة غير مباشرة في إقبال الغربيين والشرقيين على قراءة الكتب الإسلامية ومحاولة فهم هذه الثقافة ومبادئها ومعتقداتها، ولماذا قام هؤلاء النفر بمهاجمة أمريكا في عقر دارها.. وكذلك هو الحال مع الأزمة المالية التي عصفت بالعالم من شرقه إلى غربه، فبعد تهاوى بنوك استثمارية كبرى، وشركات تأمين وشركات عقارية، وانهيار في النظام الائتماني بين البنوك والإحجام عن الإقراض، اضطرت الحكومات إلى التدخل المباشر في النظام المالي لحمايته، وبذلك تكون الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية قد تجاوزت حدود نظرية كينز الاقتصادية مقتربة من الاشتراكية بدرجة كبيرة، لكن مع تطور الأحداث وعدم قدرة النظريات الاقتصادية الرأسمالية عن انتشال العالم من أزمته المالية، وعدم قدرة الاشتراكية على تحقيق تقدم في الماضي أو الحاضر، برز إلى السطح مفهوم الاقتصاد الإسلامي ودوره في معالجة الأزمة الحالية..


آدم سميث هو فيلسوف واقتصادي اسكتلندي من القرن الثامن عشر ولد عام 1723 وتوفى 1790م وهو صاحب كتاب (ثروة الأمم) الذي اعتبر أساسا للرأسمالية وكان سائدا خلال فترة ما قبل الكساد الكبير.. وتتحدث النظرية الاقتصادية الكلاسيكية التي كان يؤمن بها آدم سميث عن أن المصلحة الفردية ومحاولة تعظيمها من قبل الأفراد هي (اليد الخفية) التي ستقود المجتمع إلى تعظيم الإنتاجية الكلية وبالتالي دفعه إلى التقدم والنمو، ومن هنا يقف آدم سميث ضد تدخل الحكومات في العملية الاقتصادية التي ستحدث بشكل طبيعي بحكم الطبيعة البشرية التي ستعمل على تعظيم المكاسب..


إلا أن حدوث الكساد الكبير الذي بدأ بالولايات المتحدة عام 1929م وانتقل سريعاً إلى أوروبا وأنحاء كثيرة من العالم جعل نظرية آدم سميث تحت المراجعة والتدقيق، فوقوف الدول موقف المتفرج من الأزمة ساهم في مفاقمتها واستمرارها لفترة طويلة استمرت لعقد من الزمان..


وفي خضم الأحداث برز إلى السطح جون مينارد كينز John Maynard Keynes وهو اقتصادي إنجليزي ولد عام 1883 وتوفي عام 1946، وهو مؤسس النظرية الكينزية التي عرضها في كتابه (النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود) عام 1936، وقد عارض كينز مفاهيم النظرية الكلاسيكية التي كان يؤمن بها آدم سميث والتي كانت من المسلمات في ذلك الوقت.. وجاء كينز بنظريته في خضم أحداث الكساد الكبير لتصبح طوق النجاة الذي كانت تبحث عنه الدول الغربية في ذلك الوقت العصيب، وتتركز نظرية كينز على انه لا بد للدولة أن تتدخل في الاقتصاد من خلال السياسات المالية والنقدية للتحكم في الدورات الاقتصادية.. فالدولة تستطيع تنشيط الاقتصاد وتنميته من خلال التحكم في الإنفاق الحكومي ومستوى الضرائب في المجتمع، فتستطيع الدولة مثلاً أن تزيد من إنفاقها الحكومي أو تخفض الضرائب أو بهما معاً لتنشيط الاقتصاد وتقليل معدلات البطالة مما يؤدى إلى رفاهية المجتمع، كما تستطيع الدولة من خلال السياسات النقدية الخاصة بالبنوك المركزية التحكم في مستوى عرض وطلب النقود في المجتمع، فإذا أرادت الدولة تنشيط الاقتصاد فعليها خفض الفائدة لتساعد على زيادة الإقراض وتوفير السيولة في المجتمع وهو ما يؤدي إلى النمو الاقتصادي، أما إذا أرادت كبح جماح الاقتصاد فعليها رفع معدلات الفائدة لتحجم الإقراض وتمتص السيولة من المجتمع وبالتالي يبدأ النمو بالانكماش والتراجع..


استمر النظام الرأسمالي في تبني نموذج كينيز الاقتصادي منذ منتصف الثلاثينات الميلادية وحتى يومنا هذا، أي منذ حوالي 70 عاماً.. وخلال فترة السبعين عاماً الماضية لم تحدث أحداث مهمة تدعو إلى التفكير أو على الأقل في إعادة تقييم نظرية كينز الاقتصادية..


وفي جانب آخر من العالم كانت الاشتراكية تضرب أطنابها التي نادي بها كارل ماركس الفيلسوف الألماني اليهودي الذي ولد عام 1818م وتوفي عام 1883م.. عاش ماركس في القرن التاسع عشر وهي فترة اتسمت بانتشار الرأسمالية الصناعية في أوروبا وأمريكا، وكانت أفكار الاشتراكية العلمية التي نادي بها ماركس تركز على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج ثم تصبح بعد ذلك ملكية عامة وشائعة بين الناس، فالشيوعية هي مرحلة متقدمة من الاشتراكية العلمية الماركسية.. وجاءت الماركسية في فترة متوسطة بين آدم سميث وكينز..


الاتحاد السوفياتي منذ تأسيسه عام 1922م وحتى انهياره عام 1991م تبنى نموذج الاشتراكية الذي نادي به كارل ماركس، والذي قام على ملكية الدولة من خلال عمليات التأميم، ليتحول الاتحاد السوفياتي بجمهورياته الخمسة عشرة إلى قوة اقتصادية عظمى وثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.. لكن الفقر والجوع الذي لحق بجمهوريات الاتحاد السوفياتي والدول التي تبنت النموذج الاشتراكي وفساد الطبقات الحاكمة أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 باستلام بوريس يلتسن مقاليد الحكم، الذي وصل على ظهر دبابة إلى سدة الحكم في روسيا.. وحدث سقوط الاتحاد السوفياتي بعد أن خرجت الجماهير الغاضبة إلى الشوارع عندما فقدت الثقة بالاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي بسبب الانهيار الاقتصادي الشامل الذي حدث في ذلك الوقت.. وبانهيار الاتحاد السوفياتي انهارت الأنظمة الاشتراكية في أوروبا الشرقية ومعظم أنحاء العالم ولم يبق سوى ثلاث دول في العالم تتبنى النظام الاشتراكي الشيوعي هي الصين وكوريا الشمالية وكوبا..


إذن نستطيع أن نستخلص مما سبق أن الكساد الكبير عام 1929م كان إيذاناً بسقوط نظرية آدم سميث في الرأسمالية وبروز نظرية كينز، وفي المقابل فإن الانهيار السوفياتي عام 1991م كان إيذاناً بسقوط الاشتراكية، وحتى يومنا هذا فإن الرأسمالية الكينزية هي التي تقف شامخة دون منازع..


الأزمات والكوارث والانهيارات المالية كانت السبب الرئيس في هذه التغيرات الاقتصادية الجذرية، ونحن الآن في عام 2008م نقف أمام أزمة مالية كبرى، بدأت بالولايات المتحدة الأمريكية بسبب أخطاء اقتصادية وسياسية ساهمت في نشوء أزمة الرهن العقاري وما تلاها من إفلاس المؤسسات المالية وأخيراً أزمة الائتمان المالي التي عصفت بالعالم من شرقه إلى غربه.. لكن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الرأسمالية الكبرى في الاقتصاد من خلال تأميم الشركات المالية وتقديم العون لها وإقراضها وضخ السيولة في النظام المالي جاء بعد عجز نظرية كينز عن حل المشاكل الكبيرة، فلم تفلح خطة بوش لخفض الضرائب أو الإنفاق الحكومي الخيالي خلال السنوات السبع الماضية على الحروب كما لم تفلح خطط مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في خفض الفائدة المتكرر والمتسارع من 5.25% إلى 1.5% في انتشال الاقتصاد من أزمته..


كيف يحدث ذلك..؟.. فلا الرأسمالية الكينزية ولا الاقتراب من الاشتراكية قادر على حل معضلة الاقتصاد العالمي.. لكن دعونا نعود إلى ما بدأنا به حديثنا وهو Every Cloud has a silver lining فالاقتصاد الإسلامي هو الحل لمعضلة العالم، وهو الذي بدأ الغرب بتطبيقه في هذه الفترة دون أن يشعر..


الاقتصاد الإسلامي يقوم على عدة مبادئ مهمة مستوحاة من الشريعة الإسلامية التي هي في الأصل صالحة لكل زمان ومكان.. فالمشاركة بين القطاعين العام والخاص أو المشاركة بين القطاع الخاص والأفراد من خلال مبدأ تقاسم الأرباح والخسائر هو البديل للفوائد البنكية المحرمة التي كانت سبباً أساسياً في طمع وجشع الرأسمالية المعاصرة، كما أن الاستثمار لا بد أن يكون في أصول ملموسة ومضمونة لا في منتجات مالية ورقية خيالية معقدة كالتي طورتها البنوك الاستثمارية وكانت السبب في خسارتها واضمحلالها.. والاقتصاد الإسلامي يحرم بيع الدين الذي كان جزءاً من أزمة الرهن العقاري وأزمة القطاع المالي الذي عصف بالعالم كله وأدى إلى انتقال الأزمة كالنار في الهشيم إلى أغلب دول العالم.. كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يحرم التمويل بالفوائد المحرمة وإنما يجيز التمويل من خلال صور مختلفة كالتقسيط والتورق والتأجير وغير ذلك.


الدول الغربية التي تمثل الاقتصاد الرأسمالي المعاصر اتجهت إلى إقراض البنوك والشركات المتعثرة لكن ذلك لم يؤد إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، لأن المؤسسات المتعثرة ستحصل على قروض بمعدلات فائدة مرتفعة جداً ستؤدى إلى تفاقم خسائرها مع مرور الوقت، كما حدث في صفقة تمويل شركة AIG الأمريكية أكبر شركة للتأمين على الدين في العالم، حيث لم يفلح معها حصولها على تمويل مقداره 85 مليار دولار من الحكومة الأمريكية بمعدل فائدة تبلغ 11%، لأن المستثمرين يعلمون أن هذا المعدل المرتفع من الفائدة سيفاقم خسائر الشركة في المستقبل القريب.. كما أن اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية لتأميم شركتي فاني ماي وفريدي ماك (أكبر شركتي للإقراض السكنى في الولايات المتحدة) واتجاه بريطانيا لتأميم شركة نورثرن روك وبرادفورد وهما من كبريات شركات التمويل العقاري في بريطانيا، واتجاه دول أوروبية لتأميم مصارف وشركات مالية لم يفلح في إيقاف التدهور في النظام المالي العالمي..


لكن نقطة التحول الرئيسية في هذه الأزمة بدأت منذ أن أعلنت الدول الرأسمالية الكبرى عن نيتها مشاركة البنوك المتعثرة لبث الثقة في نفوس الناس، حيث إن دعم البنوك من خلال الإقراض سيؤدى إلى مفاقمة مشاكلها.. وعملية المشاركة هذه بدأت فعلاً بإعلان الولايات المتحدة عن تخصيص 250 مليار دولار من خطة الإنقاذ المالي لدعم البنوك مقابل الحصول على أسهم ممتازة في تلك البنوك، وقد قامت أوروبا بقيادة ألمانيا وبريطانيا وفرنسا بخطوة مشابهة.. وبذلك تكون الاقتصادات الرأسمالية الغربية قد بدأت شيئاً فشيئاً بالخروج من مفاهيم الرأسمالية والاتجاه نحو مبادئ الاقتصاد الإسلامي دون أن تشعر..