• محمد البيشي | صحيفة الاقتصادية - العدد 6393

اقتصاديون: تحييد التضخم المستورد يتطلب رفع سعر الريال .. الاستمرار «مغامرة نقدية»


أجمع اقتصاديون سعوديون وأجانب على أن المرحلة الراهنة من عمر الاقتصاد السعودي تتطلب أن يعمد متخذو القرار في السياسة المالية والنقدية في المملكة إلى فتح حوار موسع وجدي حول سعر صرف الريال وارتباطه بالدولار، ومدى تأثير أي إجراء من هذا النوع في شكل الاقتصاد السعودي. وقال الاقتصاديون السعوديون لـ "الاقتصادية": إن استمرار انتهاج المملكة لسياسة الارتباط وتثبيت السعر أمام الدولار منذ 1986 ميلادي، على الرغم من التغيرات الجوهرية التي حدثت على شكل الاقتصاد العالمي ما يعتبر "مغامرة نقدية"، مشيرين إلى أن البقاء على الحالة الراهنة هو مشكلة كبيرة في ظل انتشار "حرب بقاء" بين الدولار والين وغيرهما من العملات العالمية، واستمرار ضعف الدولار وضبابية مساره خلال الأعوام المقبلة. وانقسم الاقتصاديون بين داعين إلى رفع سعر الريال إلى قيمته الحقيقية عند مستوى 3.25 ريال للدولار على الأقل أو العمل بصورة جدية على فك الارتباط تدريجيا بالدولار والارتباط بسلة عملات متوازنة، تمتص المخاطر التي يتعرض لها الاقتصاد السعودي بسبب هذا الارتباط ومنها التضخم المستورد. من ناحيتهم، عدّ الاقتصاديون الأجانب أن فتح حوار حول هذ الفكرة جيد ومطلوب، إلا أنهم أكدوا أن أي تغيير مفاجئ على السياسة النقدية السعودية سيكون خطأ فادحا - على حد تعبيرهم. وقالوا: «إن ثبات السياسة النقدية للمملكة أحدث استقرارا في اقتصادها، كما أسهم في إحداث تنافسية للصادرات السعودية في الأسواق الخارجية وثبات للأصول السيادية».. "الاقتصادية" تفتح هذا الملف بتقرير موسع.


مساوئ استمرار ضعف الريال : سهيل الدراج، محلل عملات في الأسواق العالمية، يؤكد أن الشروع في بحث إعادة تقييم سعر صرف الريال أمام الدولار أو حتى الارتباط به بات مطلبا أساسيا ومشروعا ، إذ لا بد من فتح ورش عمل وندوات متخصصة لمناقشة هذه الأمور، خصوصا أننا نشهد تذبذبات غير طبيعية وعنيفة على العملات. وأضاف: "فتح حوار يطرح الحلول الملائمة للمرحلة الراهنة.. خصوصا أننا بدأنا نشهد ومن خلال مجموعة العشرين أن العالم بات منقسما إلى مجموعتين، الأولى دول تثبت عملاتها أمام الدولار وتستفيد من المزايا التجارية كدول الخليج والصين، ودول عملاتها معوّمة كالولايات المتحدة وأوروبا واليابان". وبيّن محلل العملات في الأسواق العالمية، أن هناك لحظة من المستقبل سيكون فيها ضغط على المجموعة الأولى للمطالبة برفع عملاتها، موضحا أن العملة الرخيصة تفيد الدول المصدرة وليست الدول المستوردة كالمملكة. وزاد: "إن مساوئ استمرار ضعف الريال على الاقتصاد السعودي تفوق مساوئ رفع سعر صرف الريال، حيث إن استمرار هبوط سعر الريال يؤثر على المستهلك في الداخل وعلى القدرة الشرائية للأفراد ، ما يعني رفع برامج الدعم وانتشار التضخم، كما أنه يرفع من كلفة الواردات".


وبيّن الدراج، أن البقاء على الحالة الراهنة مشكلة كبيرة ومغامرة نقدية؛ إذ إنه لا يعلم أحد ما هو مصير الدولار، في ظل حرب بقاء مستعرة بين أمريكا والصين، وقال: "من هنا فإن المزايا المزدوجة التي ستجنيها المملكة من رفع سعر الريال، رغم أنني أفضل فك الارتباط هي أكثر من المزايا التي نجنيها من الإبقاء على الوضع الراهن.. وعند هذه النقطة أود الإشارة إلى أن هناك سبيلا ملائما آخر وهو العملة الخليجية الموحدة، التي في حال تم ربطها بسلة عملات يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية أكبر لدول الخليج".


حرب العملات والعملة السعودية : مطشر المرشد، مصرفي سعودي، أكد من ناحيته أنه وفي ظل الحرب الاقتصادية غير المعلنة بين الصين وأمريكا والتي بدأت تتضح أكثر كما رود على لسان ساركوزي قبل أسابيع، تجعل من المهم والضروري فتح حوار حول تأثير ذلك على بلد يستورد كل شيء من الخارج من دواء وغذاء ومواد بناء وملابس. وقال: "وضع المملكة الاقتصادي اليوم يحتم عليها أن تكون سياستها النقدية مرنة ، إذ إنه لم يعد من الحكمة، وفي ظل تغيير تركيبة الاقتصاد العالمي وحركته التي اختلفت خلال السنوات الثلاث الماضية عن ما كان عليه في الثمانينيات أو في التسعينيات، إبقاء السياسة النقدية على شكلها اليوم". وبيّن المرشد، أن أمريكا وعملتها تعاني اليوم أسوء وضع مالي عبر التاريخ من ناحية المديونية، مشيرا إلى أن ذلك برز أخيرا مع شروع أمريكا في طباعة الدولار وحتى طبع الجنيه في بريطانيا. وتابع: "أضف إلى هذا الوضع المأساوي للاقتصاد الأمريكي هو انتشار مفاهيم المضاربة على السلع الأساسية في كل الأسواق بعد انهيار الاقتصاد العالمي، وهي أوضاع لم يشهدها العالم منذ نحو 70 سنة.. وقد غيَّرت التوجهات الاقتصادية واستراتيجيات السياسات النقدية والمالية على مستوى العالم".


وقال المصرفي السعودي: "إنه من غير الملائم الاستمرار في سياسة كانت مجدية وأثبتت جدواها على مدى عقود في ظل تغير مالي واقتصادي هائل إقليميا وعالميا، بشكل بات فيه من الضروري إجراء تعديلات على السياسة النقدية للمملكة". وأضاف المرشد: "لا ندعو إلى فك الارتباط.. علينا أن نستمر في الربط مع الدولار في المرحلة الراهنة والمتوسطة؛ لأن فك الارتباط يتطلب إجراءات جذرية وأوسع، كما أنه سيحتاج إلى جهود وكوادر أكثر وبنية تحتية متقدمة تستطيع إدارة سلة من العملات.. ما ننادي به الآن هو رفع قيمة الريال". سعر صرف الريال تاريخيا يقول المرشد: "إن الطريقة الملائمة والمتاحة اليوم أمامنا لاحتواء التضخم المستورد هو في رفع قيمة الريال".. وأضاف: "كما فعلنا في الثمانينيات عندما هبطت أسعار النفط إلى مستويات متدنية صاحبها عجوزات في الميزانية السعودية، فأصدر الملك فهد - رحمه الله ـ حينها توجيهاته بخفض قيمة الريال من 2.90 ريال أمام الدولار إلى 3.25 ثم لاحقا 3.75 وعلى مراحل عدة؛ لكي يستطيع الاقتصاد السعودي أن يتماشى مع تلك الحقبة".


ويطرح هنا تساؤلا: إذاً لماذا لا يتم إجراء مثل هذا في هذه المرحلة الدقيقة من عمر الاقتصاد العالمي؟، خصوصا أننا نعيش اليوم في المملكة أزمة أسعار وتضخما ينتظر أن يتعاظما خلال الشهور والسنوات المقبلة. وزاد "علينا أن نتحلى بالشجاعة اللازمة لفعل ذلك، خصوصا أننا نعيش فترة اقتصادي مزدهرة وفوائض عالية يمكنها امتصاص أي أضرار جانبية". كيف ينعكس ذلك على المستهلك؟ يؤكد مطشر المرشد، أن أي إجراء على سعر الريال برفع قيمته سيحدث أثرا مباشرا على أسعار معظم السلع في السوق المحلية؛ وذلك لكون معظم الدول التي نستورد منها احتياجاتنا تتعامل مع المستوردين بعملاتها المحلية فنحن ندفع للصينيين باليوان وللهنود بالروبية وللأوروبيين باليورو، وهذا بالتأكيد يرفع كلفة الواردات؛ لأننا نحول الدولار أو الريال بأسعار أقل. وأضاف: "المستوردون في النهاية يحمّلون المستهلك النهائي كلفة الزيادة لكي يستطيعوا تحقيق أرباح مجزية؛ مما يجعل النصيب الأكبر في التضخم المحلي تضخما مستوردا.. وهذا يعني أن المواطن هو من يدفع فاتورة انخفاض الدولار، لقد حدثت قفزة في أسعار الواردات من أوروبا خلال الشهور الثلاثة الماضية بواقع 9 في المائة بسبب صعود اليورو أمام الدولار، وقد لمس ذلك مستوردو السيارات الأوروبية".


الدكتور عبد الوهاب أبو داهش يشدد من ناحيته على أن التضخم المحلي يحدث بالدرجة الأولى بسبب الواردات، سواء كانت سلعا إنشائية أو غذائية أو استهلاكية، حتى أن مجموعة الترميم والإيجارات التي تعد عوامل محلية مرتبطة بالواردات المتمثلة في مواد البناء المختلفة التي إن لم تكن مستوردة فمدخلاته مستوردة". وقال: "من هنا علينا أن نستعد للتفكير الجدي للتعامل مع قيمة الريال من خلال رفع سعره أمام الدولار، والذي سيشكل تنفيذه امتصاصا كبيرا وواضحا للتضخم ورفع مستوى معيشة المواطن". وبيّن أبو داهش، أن رفع أسعار الفائدة من الصين والاتحاد الأوروبي وما نشهده من ارتفاع لأسعار النفط صاحبه قفزة في أسعار المعادن (ذهب، فضة، رصاص، ونحاس)، وتراجع في مخزونات القمح، وتحذيرات من عودة نمو أسعار الغذاء والسلع الأساسية، كلها مؤشرات تتطلب تغييرا جذريا لمواجهة التضخم، والتي منها بالتأكيد تغيير سعر الصرف بالقدر الذي يجعل من الريال السعودي في قيمته الحقيقية والتي تعكس حجم الاقتصاد الوطني الحقيقي.


أضرار إعادة تقييم الريال : عند هذه النقطة وقف كثيرا الخبراء الأجانب الذي استطلعت "الاقتصادية" آراءهم، فعلى الرغم من اتفاقهم مع أن حوارا حول أسعار الصرف والسياسة النقدية السعودية سيكون مفيدا، إلا أنهم يعتقدون أن أي رفع للريال في المرحلة الراهنة سيكون "فكرة سيئة".. براد برولاند، رئيس الدائرة الاقتصادية في شركة جدوى للاستثمار، يعتقد أن أي تغيير على سعر الريال أمام الدولار في هذه المرحلة هي فكرة سيئة، مشيرا إلى أن ذلك يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسة، أولها، هو الاستقرار الاقتصادي والاستثماري الذي أحدثه ثبات السياسة النقدية السعودية على نهج واحد منذ منتصف الثمانينيات، وهو الأمر الذي أحدث صورة حسنة عن الاقتصاد السعودي في الأسواق العالمية وعند المستثمرين. أما السبب الثاني لكون رفع سعر الريال خطأ في المرحلة الراهنة هو أن الدولار الرخيص وبالتالي الريال الرخيص تشجع الصادرات السعودي وتزيد من منافسة الصادرات السعودية في الأسواق العالمية، فيما يتعلق السبب الثالث بأن إحداث أي تغيير على السياسات الاقتصادية والمالية الطويلة الأمد بسبب أحداث قصيرة الأمد كتذبذب العملات هو خطأ استراتيجي.


وعن هذه النقطة يتفق جون سفاياكينكس، كبير الاقتصاديين في البنك السعودي الفرنسي، مع بورلاند من أن رفع سعر صرف الريال في المرحلة الحالية قد يضع متخذي القرار في موقف صعب عند عودة الدولار للنمو. ويقول: "علينا أن نطرح السؤال التالي: لماذا علينا القيام بذلك، وهل هناك أسباب جوهرية وكبيرة تتطلب ذلك.. الجواب عندي: لا، فمعالجة التضخم يمكن أن تتم من خلال مراقبة الأسواق وكبح الإنفاق". ويعتقد سفاياكينكس أن الدولار الضعيف لن يستمر طويلا، والمملكة بلد يعتمد على النظرة والاستراتيجيات طويلة الأمد، خصوصا فيما تعلق بإحداث استقرار يحدث طمأنينة واسعة لدى المستثمرين الأجانب. وأضاف: "ستتعرض الأموال السيادية والاستثمارات السعودية في الخارج للخسائر في حال رفع سعر الريال، إذاً علينا أن نهتم بعملية تطوير السوق وآليات ضبط التلاعب بالأسعار وعملية السكن والمساكن لمعالجة مسألة التضخم في المملكة دون الحاجة إلى اللجوء لإجراءات جريئة".


وهنا يعود مطشر المرشد، المصرفي السعودي ليؤكد أن الأضرار الجانبية لرفع قيمة الريال يمكن امتصاصها بسهولة أكبر من تلك المتعلقة بمعالجة جوانب السكن ومراقبة الأسعار. ويضيف: "لنقل إنه تم رفع سعر الريال بواقع 20 في المائة مثلا.. وحدث تراجع في قيمة الأصول الخارجية والبالغة نحو تريليوني ريال، أي 40 مليارا.. هذا يعني أنها أقل بكثير من المبالغ التي دفعت على برامج الدعم ومكافحة التضخم خلال العامين 2010 و2011 بكثير والبالغة نحو 90 مليار ريال". وينوه المرشد إلى أن الأموال السيادية لن تتضرر من رفع الريال إلا في حال تم جلبها للداخل، وهذا لن يحدث ، لأنها في معظمها عبارة عن أصول في سندات أمريكية، وأي خسارة في تلك الأصول يمكن تعويضه من خلال خفض برامج الدعم الحكومي، موضحا أن ضرر ذلك أيضا على الصادرات السعودية ضئيل للغاية، لأن الصادرات السعودية والتي تشكل البتروكيماويات ركيزة أولى فيها هي صادرات موسمية تتأثر بحجم الطلب والعرض وليس سعر الصرف. وزاد: "ثم أن الحديث والمجادلة بأن الدولار الضعيف لن يستمر طويلا هو افتراض غير مقبول، ولو كان مقبولا أيضا فلأنه من غير اللائق أن نبني سياستنا الاقتصادية والمالية والنقدية على مسار الدولار.. يجب أن يكون المسار هو "الاقتصاد السعودي فقط".


رابط المقال على صحيفة الاقتصادية