• سهيل الدراج | صحيفة الجزيرة - العدد 13203

جنرال موتورز .. إرحموا عزيز قوم ذل ..!!


لم يكن يُتوقع أن يأتي يوم من الأيام يصبح فيه العمالقة بحاجة إلى مد يد العون.. إنها قصة جنرال موتورز بعد أن عصفت بها الرياح العاتية التي جلبتها أزمة الائتمان المالي والرهن العقاري والركود الاقتصادي وجرينسبان وبن برنانكي، وهنري باولسون وجورج دبليو بوش.. في مدينة السيارات (Motor City) ديترويت أكبر مدن ولاية ميتشجن على اطرف البحيرات العظمى تأسست شركة جنرال موتورز عام 1908م أي قبل مائة عام بالضبط لتصبح أحد رموز وقلاع حضارة صناعية كبرى وصلت إلى العالم كله، فمن منا لا يعرف المحبوبة كابريس والوحش يوكون والعملاق سوبربان والجميلة لومينا ..!! هذه الشركة التي كان قد بلغ عدد موظفيها في فترة خلت أكثر من 700.000 موظف، ووصل سهمها إلى حوالي 95$ في إبريل عام 2000م، وبلغت قيمتها السوقية آنذاك حوالي 50 مليار دولار أمريكي.. لكن الآن سهم جنرال موتورز بدأ بالتهاوي المتسارع ليسجل 3$ فقط (إغلاق الجمعة 14 نوفمبر 2008م) ليفقد حوالي 90% منذ بداية عام 2008م، ويصل إلى مستويات سعرية لم تشاهد منذ أكثر من 65 عاماً. القيمة السوقية للشركة الآن أصبحت حوالي 1.8 مليار دولار، وعدد موظفيها الآن 266.000 موظف، والربح للسهم الواحد لأخر سنة (2007) بلغ (خسارة 76.5$ للسهم الواحد).. أما القيمة الدفترية للسهم الواحد فأصبحت بالسالب 98.20$ .. مبيعات الشركة عام 2007م بلغت 181 مليار دولار بانخفاض بلغ 13% عن مبيعات عام 2006م، أما خسائر الشركة في عام 2007م فقد تفاقمت لتصل إلى 38.7 مليار دولار، أي ما نسبته 21.3% من المبيعات.. بمعنى أخر، مبيعات كبيرة وخسائر كبيرة على الرغم من أن ضعف الدولار القياسي خلال عام 2007م كان يفترض أن يساعد الشركة في زيادة مبيعاتها وتقليل تكاليفها الثابتة، لكن ما حدث هو خلاف ذلك، فان مبيعات الشركة لعام 2007م انخفضت 13% عن عام 2006م، و6% عن عام 2005م، بل إن المستوى الحالي للمبيعات هو الأضعف منذ 5 سنوات، في حين أن تكلفة المبيعات ارتفعت من 79% في عام 2006م إلى 93% في عام 2007م، والسبب هو ارتفاع أجور الأيدي العاملة وتكلفة المواد المستخدمة في التصنيع كالحديد والالومنيوم والبلاستيك والفيبر وغيرها، ويعزى هذا الارتفاع إلى التضخم الكبير الذي ضرب العالم بسبب انخفاض الدولار.. أما مبيعات جنرال موتورز لعام 2008م فيتوقع أن تنخفض بما لا يقل عن 13% إلى 160 مليار دولار، كما يتوقع أن تسجل خسائر صافية مقدارها 24 مليار دولار، هذا وقد سجلت مبيعات السيارات في الولايات المتحدة انخفاضا حادا بلغ 27% في شهر سبتمبر الماضي، وهو اكبر انخفاض منذ عام 1991م، بسبب الأزمة المالية التي تضرب الولايات المتحدة والعالم التي تسببت في تقويض مبيعات السيارات بالتقسيط، وأثرت سلبا على ثقة المستهلكين الأمريكيين وإنفاقهم.. وكانت جنرال موتورز قد أعلنت في أكتوبر الماضي إن مبيعات الشاحنات الخفيفة Light Trucks قد انخفضت بمقدار 45% وهو أسوأ انخفاض منذ الحرب العالمية الثانية على الرغم من الحوافز التي قدمتها الشركة للعملاء والوسطاء على حد سواء .. وكانت جنرال موتورز (اكبر شركة لصناعة السيارات في الولايات المتحدة) قد أعلنت يوم الجمعة 7 نوفمبر عن نتائج الربع الثالث التي جاءت أسوأ من توقعات المحللين، كما أعلنت الشركة عن نيتها اتخاذ إجراءات قوية لخفض المصاريف.. وحمل الإعلان السيئ لجنرال موتورز خسائر تشغيلية بمقدار 4.2 مليار دولار، وخسائر صافية 2.5 مليار دولار لتصل خسائر الشركة من بداية العام حتى الآن إلى 21 مليار دولار، أما مبيعات الشركة للربع الثالث فقد انخفضت إلى 37.9 مليار دولار مقارنة بـ 43.7 مليار دولار عن نفس الفترة العام الماضي بانخفاض بلغ 13%. وجاء اكبر انخفاض لمبيعات سيارات جنرال موتورز في أمريكا الشمالية بمقدار 19%، تلتها أوروبا بانخفاض 7%، في حين انخفضت المبيعات في آسيا بمقدار 3% فقط. فورد هي الأخرى تعانى معاناة قاسية في ظل هذه الظروف الاقتصادية الحالكة التي تمر بالولايات المتحدة والعالم، فقد انخفض سهم فورد إلى 1.83$ وهو أدنى مستوى سعري منذ أكثر من 26 سنة، وخسر أكثر من 73% من قيمته هذا العام. كما أعلنت فورد عن نتائج فصلية للربع الثالث مخيبة للآمال، فقد حقت خسائر تشغيلية بلغت حوالي 3 مليار دولار وهو أسوأ من تقديرات المحللين الماليين، وأعلنت الشركة أيضا عن خطة لخفض التكاليف بمقدار 10%، وهذا هو الخفض الثاني للتكاليف في عام 2008م، فقد تم خفض التكاليف بمقدار 15% بداية هذا العام.. صناعة السيارات الأمريكية تلقت صفعات قوية خلال هذا العام، فقد جاءت أول هذه الصفعات بفعل ارتفاع أسعار النفط والجازولين إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق في يوليو 2008م مما اثر على مبيعات السيارات الأمريكية ذات الاستهلاك العالي للوقود التي تصنعها شركات جنرال موتورز وفورد وكرايسلر.. وجاءت ثاني هذه الصفعات بفعل أزمة الائتمان المالي التي أدت إلى تجمد القروض التي تساهم في تمويل عمليات بيع السيارات بالتقسيط.. وبعد ذلك توالت الصفعات بانخفاض ثقة المستهلكين إلى مستويات قياسية وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي ودخول الولايات المتحدة وأوروبا واليابان في ركود اقتصادي، وأخيرا الصعود الصاروخي للدولار أمام اليورو الذي يتوقع أن يضعف المبيعات العالمية للسيارات الأمريكية. والوضع السيئ انسحب كذلك على صناعة السيارات الأوروبية واليابانية، فقد انخفضت مبيعات السيارات الأوروبية بحوالي 15% في أكتوبر 2008م، وهذا هو الانخفاض للشهر السادس على التوالي الذي ضرب صناعة السيارات العالمية بفعل الأزمة المالية وما تبعها من دخول العالم في ركود اقتصادي، وقد قامت شركتي BMW وDaimler AG التي تمتلك مرسيدس بتخفيض توقعاتهما للأرباح لفصلين متتاليين بسبب انخفاض الطلب على السيارات.. أما تويوتا اليابانية اكبر مصنع للسيارات في العالم، فقد تراجعت مبيعاتها في الولايات المتحدة بنحو 12%، كما ضُربت مبيعاتها في أوروبا بفعل الارتفاع الحاد للين الياباني أمام اليورو خلال الست أشهر الماضية مما اضعف الصادرات اليابانية بشكل عام وصادرات السيارات بشكل خاص.. كما قامت الشركة في بداية نوفمبر 2008م بتخفيض توقعاتها للأرباح للعام كاملا، وقالت إن أرباحها ستنخفض إلى أدنى مستوى في 13 عاماً.. كما أصدرت شركتي نيسان وسوزوكي موتورز الشهر الماضي تحذيرا من انخفاض أرباحهما السنوية.. وبعد إعلان النتائج الفصلية لجنرال موتورز يوم 7 نوفمبر، سارعت وكالات التصنيف الائتمائي(Standard الجزيرة Poorصs) و(Moodyصs) إلى خفض التصنيف الائتماني للشركة إلى(Junk status) وهو أضعف تصنيف ائتماني ويعنى الاقتراب من الإفلاس.. وكان قولدمان ساكس قد أوقف يوم الخميس 13 نوفمبر منح التصنيف والتقدير السعري على شركة جنرال موتورز بعد انخفاض سعر الشركة إلى ما دون 3$، وخفض توقعاته للسهم إلى 1.84$ بدلا من التوقع السابق 3.08$.. ويعتبر إجراء جولدمان ساكس هو الأخير في سلسلة متشائمة من التقديرات السعرية للبنوك والمحللين الماليين بعد إعلان جنرال موتورز عن النتائج الفصلية للربع الثالث التي جاءت أسوأ من التوقعات.. فقد سبقه جي بي مورقان وباركليز وكرديت سويس إلى خفض التقديرات السعرية للسهم، إلا أن أسوأ هذه التقديرات جاء يوم 10 نوفمبر 2008م حيث أعطى (دوتشيه بانك) تقدير Sell للسهم وهدف سعري هو(صفر).. ويرى المحللون أن المساعدات الحكومية الفدرالية للشركة أصبحت ضرورية لتتمكن الشركة من البقاء على قيد الحياة وإدارة عملياتها خلال عام 2009م.. وكان بنك ميريلينج قد نصح عملائه في منتصف 2008م بالتخلص من السهم، وتحدث حينها عن أن جنرال موتورز قد تتعرض للإفلاس إن لم تستطيع توفير 15 مليار دولار لتمويل عملياتها التشغيلية لعام 2009م.. إلا أن ريتشارد واجنور Richard Wagoner رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي للشركة، تحدث في ذلك الوقت لشبكة CNBC العالمية ونفى التكهنات التي تحدثت عن الإفلاس كما نفى نية الشركة بيع بعض علاماتها التجارية كهمر أو غيرها، وقال: (إن ما نفكر فيه هو كيف تصبح هذه العلامات مربحة وليس كيف نتخلص منها بالكلية).. ومما هو جديد بالذكر، إن ريتشارد الذي يبلغ من العمر 52 عاماً كان قد التحق بشركة جنرال موتورز منذ حوالي 30 عاماً، ويتقاضى حوالي 8.5 مليون دولار سنوياً (حسب مجلة فوربز (Forbes). إدارة جنرال موتورز بدأت منذ بداية العام بخطوات الإصلاح من خلال تقليص حجم أنشطتها بخفض كبير في أعداد العمالة وصل إلى حوالي 10% من حجم القوى العاملة، وربما يتجاوز هذا الخفض 20% خلال السنتين القادمتين، كما توقع محللين استراتيجيين أن تقوم جنرال موتورز بالتخلص من بعض علاماتها، وفى مقدمتها همر Hummer، وبيوك Buick، وساب (Saab). وكانت شركة جنرال موتورز دايو (الوحدة الإنتاجية لجنرال موتورز في كوريا الجنوبية) ثالث اكبر مصنع للسيارات في كوريا الجنوبية قد أعلنت يوم الخميس 13 نوفمبر أنها ستوقف الإنتاج في 3 مصانع في كوريا الجنوبية لمدة 45 يوما وسوف تؤجل طرح سيارتين جديدتين إلى بدايات عام 2010م كان من المقرر طرحهما أواخر عام 2008م.. ومع كل ذلك.. لا تزال شركة جنرال موتورز تحظى برعاية مؤشر داو جونز الصناعي الذي يضم 30 شركة صناعية على الرغم أنها أصبحت اصغر شركة في المؤشر بقيمة سوقية 1.8 مليار دولار، في حين أن شركة الكوا لصناعة الالومنيوم (AA) هي الشركة ما قبل الأخيرة بقيمة سوقية 9 مليار دولار، ولا تزال شركة اكسون موبيل (XOM) محافظة على سلم الترتيب كأكبر شركة في مؤشر داو جونز الصناعي واكبر شركة في العالم بقيمة سوقية تجاوزت 384 مليار دولار.. لكن الصورة لم تكن كذلك في مؤشر ستاندرد أند بورز (SالجزيرةP100)، ففي العاشر من يوليو 2008م قام مؤشر ستاندرد أند بورز (SالجزيرةP100) الذي يضم اكبر مائة شركة أمريكية، بإخراج شركة جنرال موتورز من المؤشر وإدخال شركة ماستر كارد عوضاً عنها .. إذن.. هي 83 عاماً بقيت فيها جنرال موترز داخل مؤشر داو جونز الذي يبلغ من العمر 112 عاماً، وحتى يومنا هذا لا توجد أي إشارات على فقدان الثقة فيها من قبل شركة نيوز كورب التي تدير مؤشر داو جونز، لكن هذه الثقة لن تستمر طويلاً أن أعلنت جنرال موتورز إفلاسها أو أن تدخلت الحكومة في الشركة كما حدث مع شركة أمريكان انترناشيونال جروب AIG)) عملاق التأمين على السندات في الولايات المتحدة.. وكانت جنرال موتورز قد التحقت بمؤشر داو جونز الصناعي لأول مرة في عام 1915م لكنها أزيلت بعد فترة بسيطة وتم إعادة إدراجها عام 1925م، ومنذ ذلك الوقت لا تزال تحافظ على مقعدها هناك، إلى جوار شركة جنرال إلكتريك التي تعتبر أقدم شركة في الداو جونز حيث تم إدراجها عام 1907م.. ولا يزال الكثير من قادة الفكر الاقتصادي يجادلون في بقاء جنرال موتورز في الداو جونز، فبينما يرى الكثيرون انه حان الوقت لإحالتها للتقاعد، يجادل آخرون ومنهم الناطق الإعلامي باسم الشركة (توم ويلكنسون) بان جنرال موتورز لا تزال تساهم في الاقتصاد الأمريكي بشكل فعال فهي توظف أكثر من نصف مليون عامل سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عن طريق وكلائها وموزعيها ومصنعي الأجزاء وقطع الغيار التي تستخدمها في صناعة السيارات، كما أن صناعة السيارات الأمريكية لا تزال محرك رئيس من محركات الاقتصاد الأمريكي، ولا تزال جنرال موتوز هي اكبر مصنع للسيارات في الولايات المتحدة الأمريكية.. يقول (ريتر Ritter) أستاذ المالية في جامعة فلوريدا واصفا أهمية جنرال موتورز للمجتمع الأمريكي: (لقد كان سهم GM هو أول سهم امتلكه في حياتي عندما كنت في سن الثالثة عشرة من عمري، حيث اشتريته من توفيري عندما كنت أعمل موزعا للصحف وكان ذلك في عام 1967م.. لكن لسوء الحظ لقد قمت مؤخرا ببيع السهم بخسارة بعد أن احتفظت به لمدة 41 عاماً !!).. الفائز بالانتخابات الأمريكية (باراك أوباما) ذكر يوم الجمعة (7 نوفمبر 2008) إن المساعدات الفدرالية لصانعي السيارات الأمريكية تشكل أولوية كبرى لأن صناعة السيارات تمثل العمود الفقري للصناعة الأمريكية، ويدرس مصنعو السيارات والكونجرس مساعدات عاجلة لصناعة السيارات تتم على مرحلتين.. المرحلة الأولى تنصب على المساعدة المباشرة لمصنعي السيارات بتوفير قروض بتكلفة منخفضة قيمتها 25 مليار دولار للاحتياجات التشغيلية، بينما تركز المرحلة الثانية على 25 مليار دولار لاتحاد عمال السيارات لمنحهم تقاعدا مبكرا، وتعويضات عن ترك الخدمة، مما يؤدى إلى وفر في التكاليف التشغيلية لمصنعي السيارات مما يساعدهم في العودة إلى الربحية.. إدارة جنرال موتورز لم تستطيع الاستفادة من فرصة الدولار الضعيف ولم تستطع ضبط معادلة الإيرادات والمصروفات، هذا في حال افترضنا أن الدولار الضعيف شكل وسيشكل فرصة للشركات الأمريكية كما يعتقد الكثيرون.. إلا أن تفاقم خسائر جنرال موتورز واقترابها من الإفلاس يضع علامات استفهام على وضع الشركات العملاقة أمام معادلة الدولار الضعيف وأمام العولمة وأمام الاقتصاد الأمريكي المتهالك.. كما يسلط الضوء أكثر من أي وقت مضى على تبعات سياسات مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي التي اتخذها خلال الثمان سنوات الماضية، وأثرها على المستهلك وعلى نمط حياته وعلى استهلاكه وعلى تفاقم ديونه.. ويبقى لسان حال محبي جنرال موتورز.. (ارحموا عزيز قوم ذل)..


رابط المقال على صحيفة الجزيرة