• سهيل الدراج | صحيفة الاقتصادية - العدد 5468

عندما تتساقط أحجار الدومينو .. هذه هي مأساة أمريكا


لم يكن يوماً عادياً يوم الجمعة 14 آذار (مارس) 2008، فقد أغلقت الأسواق المالية على انخفاض حاد وسط حالة من الذعر انتابت أسواق المال بقيادة المؤسسات المالية الأمريكية، بعد أن صعقت يومها بانخفاض سهم بنك بيرستيرنز بأكثر من 27 دولارا في يوم واحد أو ما يعادل 47 في المائة، وهو أكبر انخفاض في يوم واحد يسجل في تاريخ الشركة. وجاء ذلك الانخفاض بعد أن تقدم "بيرستيرنز" إلى "الفيدرالي الأمريكي" طالبا العون، وكانت هذه هي المحاولة الأخيرة بعد أن حصل البنك على قرض طارئ من بنك جي بي مورجان مقابل رهن أصول بنكية، لكن الأسوأ ظهر يوم الأحد 16 آذار (مارس) عندما أعلن عن إفلاس "بيرستيرنز" وبيعه بمقدار دولارين للسهم الواحد لبنك جي بي مورجان، وتم الإعلان عن خفض طارئ للفائدة من قبل "الفيدرالي" لتهدئة المخاوف، وبنك بيرستيرنز هو خامس أكبر بنك استثماري في الولايات المتحدة الأمريكية.


لم تكن حادثة "بيرستيرنز" عابرة، بل كانت بداية تساقط أحجار الدمينو التي بدأت فعلاً، ولم يعد أحد يعلم كم عدد أحجار الدمينو التي ستسقط !! ولم يمض الكثير من الوقت حتى أعلنت الحكومة الأمريكية عن تأميم أكبر شركتين للإقراض السكني في الولايات المتحدة، وهما شركتا فاني ماي وفريدي ماك، وبعدها أفلس بنك ليمان براذرز (رابع أكبر بنك استثماري في أمريكا)، ثم أعلن بنك ميرلينج عن بيع نفسه طواعية لبنك أوف أمريكا بقيمة 50 مليار دولار بعد أن أدرك أن الإفلاس أصبح وشيكاً.


لكن شركات التأمين على الدين كانت على مسافة قريبة من الكارثة، وما هي إلا أيام حتى أعلن عن تهاوي شركة AIG ومبادرة الدولة بدعمها بقرض جائر قيمته 85 مليار دولار مقابل الاستحواذ على 85 في المائة من الشركة، وبنسبة فائدة على القرض بلغت 11 في المائة، ويتم بموجب الاتفاق السيطرة على إدارة البنك، ومازالت شركتا AMBAC وMBIA للتأمين تنتظران دوريهما في لعبة الدومينو الخطرة.!!


وما هي إلا أيام قلائل تلت حادثة AIG حتى تم الإعلان عن تحول أكبر بنكين استثماريين في الولايات المتحدة (هما بنك مورجان ستانلي، وجولدمان ساكس) إلى بنوك تجارية في خطوة استباقية قبل أن يفلسا، وبذلك يسمح لهما بالحصول على الودائع لتوفير السيولة اللازمة في خطوة استباقية قد لا تنجح ويعقبها الإفلاس.


الحدث الأهم بعد سقوط AIG انتقل إلى واشنطن وتحديدا إلى الكونجرس الأمريكي لدراسة خطة عاجلة قدمت من قبل الثلاثي الأمريكي بوش وبرنانكي وباولسون، لكن باولسون هذه المرة هو كاتب السيناريو، بعد أن فشل برنانكي في لعبة خفض الفائدة الخطرة، وبعد أن فشل في ضخ الاموال وتقديم القروض وهندسة بيع البنوك الخاسرة لـ "جي بي مورجان".!! وكذلك بعد أن فشل بوش في تلميع صورة الاقتصاد المتهالك كما فشل سابقاً في خداع شعبه وإدخاله في حرب الإرهاب وحرب العراق وحرب أفغانستان.


خطة الإنقاذ تعرضت لانتقادات حادة داخل الكونجرس، وتمت مقاومتها بشدة من قبل الجمهوريين قبل الديمقراطيين في تصلب يصعب حدوثه في مثل هذه الأزمات، وفي ذلك دلاله مهمة على فقدان الثقة في خطط الإدارة الحالية الاقتصادية وبعدها عن المنطق والتخطيط السليم، وما هي إلا ساعات قليلة بعد وصول المفاوضات الخاصة بخطة إنقاذ النظام المالي الأمريكي إلى طريق مسدود، حتى قامت السلطات الأمريكية بإغلاق أكبر بنك للتوفير في الولايات المتحدة (بنك واشنطن ميوتشول) ليسقط حجر جديد من أحجار الدومينو الأمريكية.


نعم لقد أفلس أكبر بنك للتوفير في الولايات المتحدة بعد أن تدافع المودعون لسحب ودائعهم بكثافة عالية خلال الأسبوعين الأخيرين، ما اضطر السلطات إلى إغلاقه، وترتيب صفقة بيع أصوله وفروعه لبنك جي بي مورجان بقيمة 1.9 مليار دولار، وحسب مصادر السلطات التنظيمية فإن بنك واشنطن ميوتشوال لديه ودائع تبلغ 188 مليار دولار، ويمتلك أصولا بقيمة 307 مليارات دولار، وبذلك يصبح "واشنطن ميوتشول" أكبر حادثة إفلاس في التاريخ الأمريكي، متفوقاً على الرقم القياسي الذي سجله بنك ليمان براذرز قبل نحو أسبوعين.


وهكذا سقطت أحجار الدومينو في أكبر اقتصاد في العالم، ليستيقظ الجميع على حقيقة مهمة وهي أن العملاق كان من ورق، وأن النظام الرأسمالي والنظام العالمي الجديد أصبح في مهب الريح وبحاجة إلى إعادة هندسة أدواته ونظرياته، ولكن بقي أن نشير إلى أن أحجار الدومينو لم يسقط منها سوى القليل، ولا نعلم هل هناك اتصال بين تلك الأحجار ومثيلاتها في أوروبا وآسيا.. وهناك حقيقة أخرى مفادها أن الأزمة لا تزال في بدايتها، ويحاول الجميع الآن احتواءها وتطويقها قبل أن تخرج عن نطاق السيطرة.


لقراءة المقال كاملا بنسخته الاصلية اضغط هنا