• سهيل الدراج | صحيفة الاقتصادية - العدد 5652

عناوين القمة : الاستقرار والنمو والتوظيف


ساعات قلائل قبل أن يعلن عن انطلاق قمة العشرين في دورتها الثانية في العاصمة البريطانية لندن، وتأتي هذه القمة استكمالاً للقمة السابقة التي عقدت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في واشنطن في الولايات المتحدة التي دعا لها الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، والتي ركزت بدرجة كبيرة على حماية النظام المالي العالمي ودعم البنوك لتجنيبها الانهيار، وشددت على استمرار استخدام السياسات المالية والنقدية لحماية الاقتصاد من الدخول في ركود عميق.


لكن اليوم تأتي هذه القمة وقد حدثت تغيرات كبيرة على الساحة المالية والاقتصادية، فقد تحسن الوضع المالي العالمي بعد زوال خطر انهيارات البنوك، وتحول الكثير من البنوك إلى عمليات إصلاح وإعادة هيكلة أثمرت عن تحرك الأموال وانخفاض معدلات السايبور والليبور التي تدل على تحرك الأموال بين البنوك، وقامت البنوك بعمليات تطهير ضخمة لما يعرف بالأصول السامة Toxic Assets من خلال عمليات إعدام الديون المشكوك في تحصيلها، وإزالة الديون المعدومة من القوائم المالية، كما قامت البنوك بإجراء تغييرات إدارية واسعة شملت تسريح موظفين واستقالة وإقصاء مديرين تنفيذيين، وحملة واسعة لتخفيض مكافآت التنفيذيين الذين كانوا أحد أسباب هذه الأزمة، ونتيجة لذلك بدأت ثمار تلك الإجراءات بالظهور عندما أعلنت مجموعة من كبريات البنوك عن تحسن متوقع في أرباحها للربع الأول من هذا العام في مقدمتها العملاق الأمريكي سيتي جروب وبانك أوف أميركا، وبنكا باركليز وستاندرد تشارترد بانك في بريطانيا، وكرديت سويس في سويسرا.


لكن الأوضاع الاقتصادية العالمية لم تشهد تحسناً كما حدث مع الأوضاع المالية، فعلى الرغم من تجنب العالم انهيار مالي كبير، إلا أن الاقتصاد العالمي انزلق إلى ركود اقتصادي لا توجد أي بوادر حتى الآن للخروج منه، فقد دخل أكبر الاقتصادات العالمية في ركود اقتصادي، يأتي في مقدمتها الاقتصاد الأمريكي والأوروبي والياباني، على الرغم من قيام العالم بأسره بأكبر موجة من استخدام السياسات المالية والنقدية على الإطلاق، فقد قامت البنوك المركزية حول العالم بخفض مفرط للفائدة مقتفية أثر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي خفض الفائدة على الدولار إلى مستوى غير مسبوق عند 0.25 في المائة، تبعه بنك إنجلترا المركزي وبنك كندا المركزي اللذان خفضا الفائدة إلى 0.5 في المائة، في حين أن البنك المركزي الأوروبي الذي كان متمسكا بالإبقاء على الفائدة عند مستويات 4 في المائة اضطر أخيرا إلى خفض متسارع للفائدة لتصل إلى 1.5 في المائة وهو مستوى قياسي أيضا، كذلك خفض بنك اليابان المركزي الفائدة إلى مستوى عشر في المائة وهو مستوى قريب من الصفر، كما قام البنك المركزي السويسري بخفض الفائدة إلى ربع في المائة.


وعلى سبيل السياسات المالية، فقد تسابقت الدول إلى الإعلان عن خطط إنقاذ هي الأكبر تاريخياً الهدف منها هو محاولة الإبقاء على نوع من الإنفاق الحكومي لدفع عجلة الاقتصاد بعد أن تعرض الإنفاق الفردي وإنفاق المؤسسات الخاصة إلى ضربة موجعة على أثر الانكماش الاقتصادي الذي أعقب أزمة الرهن العقاري الأمريكي وما تبعها من أزمة مالية عالمية أدت إلى تجمد الائتمان وإعاقة الكثير من الأنشطة الاقتصادية .. كما استمرت البنوك المركزية في مسلسل دعم الأسواق المالية بالسيولة اللازمة ودعم المصارف لتجنيبها شبح الإفلاس وهو ما تحدثت عنه قمة العشرين الماضية في واشنطن.


باراك أوباما الرئيس الأمريكي الجديد للولايات المتحدة الذي فاز بالانتخابات الأمريكية تحت شعار The Change أو التغيير، يبدو أنه عاجز حتى الآن عن إحداث هذا التغيير في الاقتصاد الأمريكي الذي تفاقم الوضع سوءاً فيه، واستمر في تحقيق أرقام قياسية سيئة على الصعيد الاقتصادي، فقد ارتفع حجم البطالة حسب آخر تقرير عن شباط (فبراير) إلى نحو 8.1 في المائة، وفقد الاقتصاد الأمريكي أكثر من (3.2 مليون) ثلاثة ملايين ومائتين ألف وظيفة في آخر ستة أشهر منذ أيلول (سبتمبر) 2008 وحتى شباط (فبراير) 2009، وهذه الأرقام هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، كما تراجع الناتج المحلى الأمريكي عن الربع الرابع 2008 بواقع 6.3 في المائة، وتراجع مجموع الاستثمارات المحلية للقطاع الخاص بنحو 23 في المائة، كما تراجعت الصادرات الأمريكية عن الربع الرابع بواقع 23.6 في المائة.


لكن قمة العشرين الحالية برئاسة واشنطن وضيافة لندن ستركز على نقاط مهمة جداً هي استمرار الدعم الحكومي اللا محدود لتجنيب العالم ركوداً اقتصادياً عميقاً أو ربما كساد ومراجعة الإجراءات التي تم اتخاذها في القمة السابقة .. كما ستركز على تشديد الأنظمة والقوانين على الأسواق المالية لحمايتها من انهيارات مشابهة، ووضع قيود وإجراءات حازمة ضد صناديق التحوط أو ما يعرف بـ Hedge funds، وضد تجارة المشتقات المالية، وضد وكالات التصنيف الائتماني، إضافة إلى تقييد مكافآت التنفيذيين في المؤسسات المتعثرة التي تحظى بدعم الحكومات .. ويتوقع أن تصدر وثيقة أو معاهدة عن القمة تشتمل على قوانين موحدة تتعلق بأسواق المال وأدواتها المختلفة وهذا ما كانت تعارضه إدارة الرئيس السابق جورج بوش في القمة السابقة وكان مطلباً ملحاً للأوروبيين.


(قواعد جديدة للعبة ..!!) هذه هي خطة وزير الخزانة الأمريكي الجديد الذي لم يمض في منصبه سوى شهرين ونصف، حيث يسعى جاهدا لطرح خطة لتقييد وتنظيم وتشديد الخناق على صناديق التحوط Hedge Funds، وشركات القطاع الخاص، وسوق المشتقات المالية لتصبح تحت رقابة مركزية مشددة وعدم إطلاق العنان لها كما حدث في السابق، وهذا يتطلب من الشركات الخاصة زيادة رؤوس أموالها لتتناسب مع حجم مديونياتها، أو تقليص اعتمادها على القروض وذلك لحمايتها من الأزمات المالية.


الأوروبيون الذين كانوا يطالبون في الاجتماع السابق بتشديد القوانين على أسواق المال والشركات الخاصة وكانوا على خلاف مع الرئيس جورج بوش حول هذه النقطة، يتوقع أن يجدوا ضالتهم مع إدارة الرئيس باراك أوباما، لكن قلقهم هذه المرة سيتركز حول تزايد العجز في ميزانيات دولهم إلى الحد الذي قد يخرج عن السيطرة بعد توالي خطط الإنقاذ الحكومي التي أعلنت في الدول الأوروبية الكبرى، كما أنهم سيكونون أكثر صبراً لرؤية نتائج هذه الخطط على الاقتصاد العالمي الذي يعتقد أنه سيواجه انكماشاً يصل إلى 1 في المائة حسب تقديرات صندوق النقد الدولي.


قمة العشرين يتوقع لها أيضا أن تراعي اتخاذ إجراءات لمساعدة الدول الفقيرة والفقراء حول العالم وزيادة الدعم لصندوق النقد الدولي، وخصوصاً أن قمة لندن لن تمر بسلام دون أن نشهد لافتات الاعتراض في شوارع لندن التي اعتدنا على مشاهدتها من قبل جماعات الاحتجاج المختلفة وخصوصا أن القمة ستنعقد بالقرب من حي المال والأعمال في قلب العاصمة البريطانية.


خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود سيكون حاضرا القمة نظراً للأهمية التي تحظى بها المملكة العربية السعودية في قلب النظام الاقتصادي العالمي، على اعتبار أنها أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم وتحظى بفوائض في ميزانيتها استمرت على مدار ست سنوات متتالية .. وكان خادم الحرمين الشريفين قد تعهد في القمة السابقة باستمرار المملكة في تقديم المعونات ومساعدة الدول النامية والفقيرة بالتعاون مع المجتمع الدولي لضمان عودة الانتعاش والنمو للاقتصاد العالمي، كما تعهد باستمرار دورها في ضمان استقرار السوق النفطية، وأشار إلى أن المملكة ستواصل إنفاقها الحكومي على مشاريع الخدمات الأساسية وزيادة الطاقة الاستيعابية للاقتصاد السعودي، وتوقع أن يتجاوز حجم هذا الإنفاق مستوى 400 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.


وكان القادة المشاركون في القمة السابقة قد اتفقوا على خطة عمل من ست نقاط لإصلاح النظام المالي الدولي وحفز النمو الاقتصادي، منها: (1) إصلاح المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين، (2) الوصول لاتفاق بنهاية عام 2008 تمهيدا لاتفاق عالمي للتجارة الحرة، (3) تحقيق الشفافية في أسواق المال الدولية وضمان الإفصاح الكامل عن وضعها المالي، (4) ضمان عدم دخول البنوك والمؤسسات المالية في عمليات شديدة المخاطرة، (5) قيام وزراء المالية في دول المجموعة بوضع قائمة بالمؤسسات المالية التي يمكن أن يؤدي انهيارها إلى تعريض النظام الاقتصادي العالمي إلى مخاطر كبيرة، (6) تحسين نظام الرقابة المالي في كل دولة .. واتفق القادة يومها على أن تتم إجراءات تحسين أداء الأسواق المالية وضبطها قبل 31 آذار (مارس)، وأن تعقد قمة أخرى لبحث ما تم انجازه خلال شهر أبريل (نيسان) 2009.


مجموعة العشرين تضم مجموعة الدول المكونة لما يعرف بـ G-8 التي تضم الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وكندا وروسيا، إضافة إلى دول الأرجنتين والبرازيل والمكسيك، والصين والهند وأستراليا، والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا وتركيا وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وممثل عن الاتحاد الأوروبي .. وكانت مجموعة العشرين قد انعقدت لأول مرة في برلين في كانون الأول (ديسمبر) عام 1999 لمناقشة الانهيار المالي الذي حدث في آسيا عام 1997 – 1998م، وتشكل مجموعة العشرين نحو 90 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي.


الاستقرار Stability، النمو Growth، والتوظيف Jobs هي شعارات ثلاثة عُنوت بها قمة العشرين، التي ستنطلق بعد ساعات قلائل في العاصمة البريطانية لندن، وهذه الكلمات الثلاث لخصت هموم العالم في هذه الفترة، فالعالم أصبح يعاني عدم استقرار الاقتصاد وأسواق المال، وأصبحت أخبار تسريح الموظفين خبرا اعتيادياً في نشرات الأخبار، ومما لاشك فيه يبقى سؤال المليون دولار هو متى سيعود العالم إلى النمو من جديد ..؟!


من فضلك اقرأ المقال كاملا بصيغته الصحفية على هذا الرابط